فوزي آل سيف

100

معارف قرآنية

فإذن يتبين أن هذا الكتاب الذي يُبحث عنه هو شيءٌ مربوطٌ بعلمِ الله عز وجل المحيط بكل شيء . بل حتى القرآن الكريم هو في ذلك الكتاب “إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ” ولا سيما اذا قلنا أن الضمير في “يَمَسُّهُ” يعودُ على الكتاب وليس على القرآن، نجدُ هنا سؤالا هل أن الضمير يعودُ على القرآن، أم يعودُ على الكتاب الذي يحوي القرآن؟ تبعا لعود الضمير على الأقرب وهو كلمة ( في كتاب )، فهذا الكتاب لا يمسُهُ إلا المطهرون، وأن القرآن في ذلك الكتاب. هذا الكتاب الذي تتحدث عنه الآيات هو شيءٌ يرتبط بعلمِ الله غير المحدود والمُحيط بكلِ شيء. هذا الكتاب الذي هو مرتبطٌ بعلمِ الله تعالى ينطوي تحته كُلُ العلوم والمسائل والقضايا من كيمياءٍ وفيزياءٍ وجيولوجيا وأدبٍ وبرٍ وبحرٍ وشجرٍ ومدر وما يفعله الناس ، وما يفكرون فيه ، وما ينوونه وغيرُها كُلُها موجودةٌ في ذلك الكتاب لأنه مرتبط بعلم الله سبحانه . هذا المعنى تُشيرُ إليهِ أيضا بعضُ روايات أهل البيت عليهم السلام ، فقد رُوي عن الإمام الصادق (ع) قولُه “إني أعلم ما في السماوات والإرض والجنة والنار” بعض الحاضرين تعجب واستنكر، فبين الإمام (ع) الأمر بقولهِ تعالى “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” ونحن أهلُ البيت لدينا علم القرآن وعلم الكتاب. هذا هو الاتجاه الأول يرى أن الكتاب الذي فيه كُلُ شيء إنما يكونُ في الكتاب التكويني، في مخزن علمِ الله إن صح التعبير، وفي الأرشيف الإلهي، وهذه كُلُها عباراتٍ تقريبية. النحو الثاني يقول أنَّ المقصود بالكتاب هو القرآن الكريم، حيث عبر عن القرآن الكريم بعنوان الكتاب كثيرا فقال الله (الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)[168]، (حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)[169]”، ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ)[170]،(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)[171]. هذا الرأي يقول أن المقصود بالكتاب هنا هو نفسُ القرآن الكريم، فإنه هو الذي نزله الله على النبي وهو الذي أمر الناس باتباعه ، وهو الذي يتكون من هذه الحروف المقطعة في بداية السور . • وهنا نجدُ اتجاهين في هذا الرأي: الاتجاه الأول يقول أنَّ هذا القرآن هو تبيانٌ لكل شيء، ولم يفرط الله فيه من شيء، أي كُلُ العلوم موجودة في القرآن الكريم، فهو مثل خزانة تحوي صناديق متعددة، أول صندوقٍ فيها مفتاحُهُ لدى عامّة الناس، الصندوقُ الثاني مفتاحُه لدى مجموعةٍ معينةٍ من الناس كالاداريين ، وهكذا الصُندوقُ الثالث، أما آخر صُندوقٍ فمفتاحُه لدى مُدير البنك مثلا. عامّةُ الناسِ بالنسبة للقرآن الكريم لهُم التدبر والمعاني الظاهرية والأخلاقيات والأحكام الشرعية في ظاهِرها وأمثالُ ذلك، وأمّا ما بعد ذلك من علومٍ هائلة فلها أُناسٌ وأهلٌ أعلمُ بها. وبالاضافة إلى ما نقلناه من رواية عن الامام الصادق عليه السلام تعبر عن هذه الفكرة ، فإن هناك من يؤيدُها من أتباعِ مدرسةِ الخُلفاء، فابن كثير ينقُلُ عن ابن مسعود في تفسيرِ هذه الآية أنَّ القرآن الكريم فيهِ كُلُ العلوم[172]، فكُلُ ما يحتاج إليه الناس من علوم فهي موجودةٌ في هذا القرآن.

--> 168 ) البقرة / 1ـ 2 169 )الجاثية / 1ـ2 170 ) الأنعام / 155 171 ) النحل / 89 172 ) قال ابن مسعود : قد بين لنا في هذا القرآن كل علم ، وكل شيء .وقال مجاهد : كل حلال وحرام .وقول ابن مسعود أعم وأشمل ; فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق ، وعلم ما سيأتي ، وحكم كل حلال وحرام ، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ، ومعاشهم ومعادهم